مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

73

شرح فصوص الحكم

الأرض والإخراج منها بعد الدفن في قوله تعالى : وَفِيها أي في الأرض ( نُعِيدُكُمْ ) بالموت الإرادي ليوصلكم إليّ ( وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ) حتى تظهروني وترشدون عبادي إليّ وإليه أشار بقوله : ( لاختلاف الوجوه ) فإن الإعادة لها وجه والإخراج له وجه فاختلاف الوجوه اقتضى ذلك ثم رجع إلى آية نوح عليه السلام فقال : ( من الكافرين ) أي لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ ( الذين وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [ نوح : 7 ] ) أي الذين ستروا وجوداتهم بوجود الحق ( جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [ نوح : 7 ] ) وجعل الأصابع في الآذان في حقهم عبارة عن مباشرة أسباب إفنائهم قويهم الظاهرة حتى لا يسمعوا غير الحق كما أن الكفار تصامموا حتى لا يسمعوا الحق وإنما فعلوا ذلك ( طلبا للستر ) أي لأجل طلبهم الستر من دعوة نوح عليه السلام فالمؤمنون طلبوا ستر وجودهم بوجود الحق في الأرض المعنوية وهي باطن الملك كلها كما أن الكافرين طلبوا ستر وجوداتهم بوجود الحق في الأرض الصورية فتجلى اللّه لهم بالقهارية وإنما طلبوا الستر ( لأنه ) أي لأن نوحا ( دعاهم ليغفر لهم والغفر الستر ) ففهموا منه كل واحد منهم على حسب ما يليق بحالهم فطلبوا الستر على حسب فهمهم فدعا عليهم على حسب طلبهم ( ديارا ) أي لا تذر من طالب الستر من المؤمنين والكافرين أحدا ( حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة ) المؤمنين والكافرين فإن المنفعة الدعوة الإيصال إلى المدعوّ إليه وهذه المنفعة وإن حصلها الكفار لكن لم تنفع لعدم وقوعه في أوانه فلما دعا نوح عليه السلام من اللّه استهلاك قومه عرض على اللّه تعالى سبب دعائه عليهم فقال : ( إنك إن تذرهم أي تدعهم وتتركهم ) على حال بشريتهم على الأرض ( يضلوا عبادك أي يحيروهم ويخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم ) بسبب خروجهم من عبوديتهم ( أربابا بعد ما كانوا عند نفوسهم عبيدا ) فإذا كان كذلك ( فهم العبيد الأرباب ولا يلدوا أي ما ينتجون ولا يظهرون إلا فاجرا أن مظهرا ما ستر ) على البناء للمفعول أي مظهرا ما ستره الحق من الربوبية في مظاهره ( كفارا أي ساترا ما ظهر بعد ظهوره فيظهرون ما ستر ) من الربوبية ( ثم يسترونه بعد ظهوره ) بحسب اقتضاء المقامين من الربوبية والعبودية يعني تكلموا تارة عن وحدة الوجود وآثارها وأحكامها من الربوبية ويظهرون للسامعين أسرار الربوبية فيهم وتارة تكلموا من الكثرة والعبودية ( فيحار الناظر ) السامع لكلامهم ( فلا يعرف ) الناظر ( قصد الفاجر ) أي قصد المظهر ما ستر الحق من الربوبية ( في فجوره ) أي في إظهاره سرّ الربوبية ( ولا الكافر في كفره ) ولا قصد الساتر في ستره ( والشخص واحد ) والحال أن المظهر والساتر واحد كيف يناقض نفسه فلما دعاهم إلى اللّه تعالى ليغفر لهم أي ليستر لهم ودعا عليهم بالستر دعا لنفسه ولأتباعه بالستر وهو عين ما دعاهم إليهم فنوح عليه السلام ما أراد لغيره شيئا إلا ما يريد لنفسه فكان دعاؤه عليهم للَّه تعالى لا لمرادات نفسه من الانتقام وغيره ولو كان لمراد لنفسه لما دعا لنفسه بمثل ما دعا عليهم بقوله : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي أي استر لي واستر من أجلي ) عطف تفسير لقوله :